أحمد بن علي القلقشندي

334

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

فثنى الثاني إليه عنان بندقه ، وتوخّاه فيما بين رأسه وعنقه ، فخّر كمارد انقضّ عليه نجم من أفقه ؛ فتلقاه الكبير بالتّكبير ، واختطفه قبل مصافحة الماء ( 1 ) من وجه الغدير . وقارنته إوزّة حلباء دكناء ، وحلَّتها حسناء ( 2 ) ؛ لها في الفضاء مجال ، وعلى طيرانها خفّة ذوات التّبرّج وخفر ربّات الحجال ؛ كأنّما عبّت في ذهب ، أو خاضت في لهب ؛ تختال في مشيتها كالكاعب ، وتتأنّى في خطوها كاللَّاعب ، وتعطف ( 3 ) بجيدها كالظَّبي الغرير ، وتتدافع في سيرها مشي القطاة إلى الغدير : إذا أقبلت تمشي فخطرة كاعب رداح ، وإن صاحت فصولة حازم ( 4 ) وإن أقلعت قالت لها الرّيح : ليت لي خفا ذي الخوافي أو قوى ذي القوادم فأنعم بها في البعد زاد مسافر وأحسن بها في القرب تحفة قادم ! فلوى الثالث جيده إليها ، وعطف بوجه إقباله ( 5 ) عليها ، فلجّت في ترفّعها ممعنة ، ثم نزلت على حكمه مذعنة ؛ فأعجلها عن استكمال الهبوط ، واستولى عليها بعد استمرار القنوط . وحاذتها لغلغة تحكي لون وشيها ، وتصف حسن مشيها ، وتربي عليها بغرّتها ، وتنافسها في المحاسن كضرّتها ؛ كأنها مدامة قطبت بمائها ، أو غمامة شفّت عن بعض نجوم سمائها : بغرّة بيضاء ميمونة تشرق في اللَّيل كبدر التّمام ! وإن تبدّت في الضّحى خلتها في الحلَّة الدّكناء برق الغمام !

--> ( 1 ) في حسن التوسّل : « مصافحته الماء » . ( 2 ) في حسن التوسل : « إوزة حلَّتها دكناء ، وحليتها حسناء » . ( 3 ) في حسن التوسل : « وتعطو » . ( 4 ) في حسن التوسل : « خادم » . وهنا أوضح . ( 5 ) في حسن التوسل : « قوسه » .